المختصرات في السيرة النبوية دراسة تحليلية
Abstract
كما هو معلم لدى الدارسين في مجال التاريخ أنه لم يكن للعرب قبل بعثة النبي (a) تاريخ مكتوب ، وإنما كان تاريخهم ما توارثوه بالرواية من أخبار عصر الجاهلية، فكانت الذاكرة مقام الكتاب، واللسان مقام القلم، وبظهور الدين الإسلامي واصطدام المسلمين مع أعدائهم ظهرت الحاجة إلى كتابة التاريخ ، فظهرت لنا كتب السير والمغازي ، وهي تسمية أطلقها المسلمون على مؤلفات تلك الفترة الأولى من تاريخ الأمة الأسلامية، التي شملت مرحلة تأسيس دولة إسلامية وجمع العرب تحت لواء الإسلام. واشتملت تلك المصنفات على سيرة النبي الأعظم (a) وأحداث حياته وعصره ، وهي من أقدم أنواع التآليف التاريخية ظهوراً ، وقد أهتم المسلمون بالسيرة النبوية المطهرة وعلموها أبناءهم ، وتدل الأخبار على أن كثيراً من الصحابة والتابعين قد دونوا أخبار سيرة الرسول الأعظم (a) ومغازيه وأولوها عناية خاصة، فكان تدوينها والتأليف فيها ممزوجاً مع تدوين السنة النبوية أحياناً ، ومنفرداً في أحيان أخرى، وأخرى في المعجزات ودلائل النبوة ، وكتب في الشمائل النبوية .
فالسيرة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة وأتم التسليم ، مرت كتابتها بتطورات وتنقلات عدة، من الجمع العام إلى التداخل مع غيرها من الكتب المطولة إلى الاختصار، وامتازت كل من هذه المراحل بمميزات وخصائص تبعاً للظروف التي كُتبت فيها ، والخلفيات الفكرية للمؤلف والعصر الذي كُتبت فيه، ومنهجية الكاتب ، وغير ذلك من المؤثرات التي امتازت بها العملية الكتابية للسيرة، مما وفر لها مصادر شتى غير كتب السيرة المعتمدة المعروفة ، لذا فلابد لمن أراد الاطلاع على سيرة النبي الأعظم (a) أو التبحر فيها، لابد له من الاعتناء بهذه الكتب والانتفاع بتلك المصادر كلها ما أمكن، وهذا البحث يهدف لدراسة بعض مصادر السيرة التي نزع مؤلفوها إلى اختصار مادتها ، لإبراز جهود المؤرخين في وضع مصنفات مختصرة للسيرة ، كذلك إلى أثبات أن كتابة المختصرات هو تطور في حد ذاته في كتابة السيرة النبوية ، ومن الدراسات النوعية في مجالها، وقد كان لذلك أسباب وعوامل دعت المؤرخين إلى أبتداع هذا الفن في مجال السيرة .