مجال القانون في موريتانيا: بين النص الدستوري وغياب الاقتراح البرلماني
الملخص
ظلت بنية المؤسسة التشريعية في موريتانيا منذ أول دستور عرفته البلاد تتأرجح بين الثنائية المجلسية والأحادية البرلمانية. فبالعودة إلى الدستورين اللذين عرفتهما موريتانيا في سنتي 1959و1961 يلاحظ أنهما اعتمدا نظام البرلمان ذي الغرفة الواحدة( الجمعية الوطنية). أما دستور 20 يوليو 1991 ( في نسخته الأصلية) فقد اعتمد الثنائية البرلمانية. غير أنه بموجب المراجعة الدستورية الثالثة لسنة 2017 عدَل المشرع الدستوري الموريتاني عن الثنائية المجلسية التي طبعت الحياة البرلمانية أكثر من 25 سنة، وتبنى نظام البرلمان ذي الغرفة الواحدة (الجمعية الوطنية)، وذلك نتيجة مجموعة من العوامل دعمها سياق سياسي متوتر ألقى بظلاله على تأزيم العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. ومهما يكن شكل تكوين البرلمان: مجلس واحد او مجلسين فإن الوظيفة التقليدية التي تناط به هي سن وإقرار التشريع.
في هذا السياق تسعى هذه الدراسة إلى الوقوف عند أهم ميكانيزمات العقلنة البرلمانية التي تبناها الدستور الموريتاني سيرا على نهج نظيره الفرنسي الصادر 1958، حيث تتجلى أهم مظاهر تلك الميكانيزمات في تحديد مجال القانون، أي الميادين التي يختص البرلمان بالتشريع فيها، بالإضافة إلى دسترة مقتضيات تجعل من الحكومة جهازا مشاركا بشكل فعلي في ممارسة التشريع في مجال القانون بواسطة مجموعة من الآليات المحددة بالنص الدستوري.
تخلص الدراسة إلى ان الدور الاقتراحي في مجال التشريع للمؤسسة البرلمانية في موريتانيا ( كما هو الحال في أغلب الدول التي تبنت ميكانيزم العقلنة البرلمانية) أصبح في تراجع وانحسار؛ وذلك لعوامل عديدة منها ماهو قانوني ومنها ما هو ذاتي أو داخلي، إلى حد لم يعد من المجانب للصواب القول بأن الجمعية الوطنية (البرلمان) أصبحت مجرد فضاء للتسجيل والمصادقة على مشاريع القوانين المقترحة من لدن الحكومة، بدل أن تكون مؤسسة تشريعية تمارس مختلف السلط المتعلقة بعملية سن القانون.